الآلوسي
242
تفسير الآلوسي
بنون بدل اللام ، كما في قوله : تقول أهل السوء لما جينا * هذا ورب البيت ( إسرائينا ) وأضاف سبحانه هؤلاء المخاطبين إلى هذا اللقب - تأكيداً لتحريكهم إلى طاعته - فإن في إسرائيل ما ليس في اسم الكريم - يعقوب - وقولك : يا ابن الصالح أطع الله تعالى ، أحث للمأمور من قولك : يا ابن زيد - مثلاً - أطع ، لأن الطبائع تميل إلى اقتفاء أثر الآباء - وإن لم يكن محموداً - فكيف إذا كان ؟ ويستعمل مثل هذا في مقام الترغيب والترهيب - بناء على أن الحسنة في نفسها حسنة - وهي من بيت النبوّة أحسن - والسيئة في نفسها سيئة - وهي من بيت النبوّة أسوأ ، و * ( اذكروا ) * أمر الذكر - بكسر الذال وضمها - بمعنى واحد ، ويكونان باللسان والجنان ، وقال الكسائي : هو بالكسر - للسان - وبالضم - للقلب - وضد الأول الصمت ، وضد الثاني النسيان . وعلى العموم : فإما أن يكون مشتركاً بينهما ، أو موضوعاً لعنى عام شامل لهما والظاهر هو الأول ، والمقصود من الأمر بذلك - الشكر على النعمة والقيامة بحقوقها - لا مجرد الأخطار بالجنان ، أو التفوه باللسان ، وإضافة النعمة إلى ضميره تعالى لتشريفها ، وإيجاب تخصيص شكرها به سبحانه ، وقد قال بعض المحققين : إنها تفيد الاستغراق - إذ لا عهد - ولمناسبته بمقام الدعوة إلى الإيمان ، فهي شاملة للنعم العامة والخاصة بالمخاطبين ، وفائدة التقييد بكونها عليهم أنا - من هذه الحيثية أدعى للشكر - فإن الإنسان حسود غيور ، وقال قتادة : أريد بها ما أنعم به على آبائهم - مما قصه سبحانه في كتابه - وعليهم من فنون النعمة التي أجلها - إدراك زمن أشرف الأنبياء - وجعلهم من جملة أمة الدعوة له ، ويحتاج تصحيح الخطاب حينئذ إلى اعتبار التغليب ، أو جعل نعم الآباء نعمهم ، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز - كما وهمَ - ويجوز في الياء من * ( نعمتي ) * الإسكان والفتح ، والقراء السبعة متفقون على الفتح ، و * ( أنعمت ) * صلة * ( التي ) * والعائذ محذوف ، والتقدير - أنعمتها - وقرئ - ادكروا - بالدال المهملة المشددة على وزن افتعلوا . * ( وَأَوْفُوا بعَهْدي أُوف بعَهْدكُمْ ) * يقال : أوفى ووفى - مخففاً ومشدداً - بمعنى ، وقال ابن قتيبة : يقال : أوفيت بالعهد ووفيت به ، وأوفيت الكيل لا غير ، وجاء - أوفى - بمعنى ارتفع كقوله : ربما ( أوفيت ) في علم * ترفعن ثوبي شمالات والعهد يضاف إلى كل ممن يتولى أحد طرفيه ، والظاهر هنا أن الأول : مضاف إلى الفاعل ، والثاني : إلى المفعول ، فإنه تعالى أمرهم بالإيمان والعمل وعهد إليهم بما نصب من الحجج العقلية والنقلية الآمرة بذلك ، ووعدهم بحسن الثواب على حسناتهم والمعنى : أوفوا بعهدي بالإيمان والطاعة أوف بعهدكم بحسن الإثابة ، ولتوسط الأمر صح طلب الوفاء منهم . واندفع ما قال العلامة التفتازاني على ما فيه أنه لا معنى لوفاء غير الفاعل بالعهد ، وقيل : - وهو المفهوم من كلام قتادة ومجاهد أن كليهما مضاف إلى المفعول والمعنى - أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة ، وتفصيل العهدين قوله تعالى : * ( ولقد ( أخذ الله ) ميثاق بني إسرائيل ) * إلى قوله سبحانه : * ( ولأدخلنكم ) * ( المائدة : 12 ) الخ ، ويحوج هذا إلى اعتبار أن عهد الآباء عهد الأبناء لتناسبهم في الدين ، وإلا فالمخاطبون ب * ( أوفوا ) * ما عوهدوا بالعهد المذكور في الآية ، وقيل : إن فسر - الإيفاء - باتمام العهد تكون الإضافة إلى المفعول في الموضعين ، وإن فسر بمراعاته تكون الإضافة الأولى للفاعل والثانية للمفعول